ابن ميثم البحراني
406
شرح نهج البلاغة
يشحب بن يعرب بن قحطان ، وأصل المثل أنّ هذه القبيلة كانت بمأرب فلمّا آن وقت انفتاح سدّ مأرب ورأت طريقة الكاهنة ذلك الأمر وعرفته ألقته إلى عمرو بن عامر الملقب بمزيقيا فباع أمواله بمأرب وارتحل إلى مكَّة فأصابت هؤلاء الحمى ، وكانوا لا يعرفونها ففزعوا إلى الكاهنة فأخبرتهم بما سيقع ، وقالت إنّه مفرّق بيننا فاستشارونها في أمرهم فقالت : من كان منكم ذاهمّ بعيد ، وحمل شديد ، ومراد حديد فليلحق بقصر عمّان المشيد ، فكانت أزد عمّان ، ثمّ قالت : ومن كان منكم ذا جلد وقسر ، وصبر على أزمات الدهر فعليه بالإدراك من بطن نمر . فكانت خزاعة ، ثمّ قالت : ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس والخزرج ، ثمّ قالت : ومن كان منكم يريد الخمر والخمير والملك والتأمير ويلبس الديباج والحرير فليلحق ببصرى وغوير ، وهما من أرض الشام فكان الَّذين يسكنونها آل جفنية من غسان ، ثمّ قالت : ومن كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيل العتاق وكنوز الأرزاق والدم المهراق فليلحق بأرض العراق فكانت آل جذيمة الأبرش ، ومن كان بالحيرة وآل محرّق . فضربت العرب بتفرّقهم في البلاد هذا المثل وسار فيمن يتفرّق بعد اجتماع ، ثمّ لمّا كانت المخادعة هي الاستغفال عن المصلحة قال : يتخادعون : أي أنّهم إذا رجعوا من مجلس وعظه أخذ كلّ منهم يستغفل صاحبه عن تذكَّر الموعظة ويشغله بغير ذلك من الأحاديث وإن لم يكن عن قصد خداع بل تقع منهم صور المخادعة ، وتقويمه لهم بالغدوة إصلاح أخلاقهم بالحكم والمواعظ ورجوعهم إليه عشيّة كظهر الحيّة : أي معوّجين كظهر القوس وهو تشبيه للمعقول من اعوجاجهم وانحرافهم عن جميل الأخلاق بالمحسوس . وقوله : عجز المقوّم . إشارة إلى نفسه واعتراف بعجزه عن تقويمهم وأعضل المقوّم : أي أشكل أمرهم وأعيته إدواؤهم علاجا ، ثمّ عاد إلى ندائهم وتنبيههم بذكر معايبهم لينفر عقولهم عنها فوصفهم بشهادة الأبدان مع غيبة العقول ثمّ باختلاف الأهواء ثمّ بكونهم ممّن ابتلى بهم أمراؤهم ثمّ نبّههم على رذيلتهم من مخالفة أمره مع كونه مطيعا للَّه ، وما عليه خصومهم من فضيلة طاعة إمامهم مع كونه عاصيا للَّه ، وجعل ذلك مقايسة بينهم ليظهر الفرق